محمد جمال الدين القاسمي

435

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

كما جاء في إنجيل برنابا . وقد يدعوك حب التمسك بهذه المسألة إلى أن تؤوّل كلام بولس بما لا يحتمله اللفظ والسياق . وأنت لاه عن أنه متى وقع الاحتمال سقط الاستدلال . وإنما أتينا بكلامه تنزلا معك على التسليم الجدليّ بصحة ما روي عنه في رسالته لأهل غلاطية . فنقول : حتى على فرض صحة ما روي عن بولس نفسه ، فإنه يشهد لنفي الصلب والقتل . لا لحصولهما حقيقة . هذا ولو قارنت دعوى الصلب والفداء بما جاء في التوراة من قولها ( الشرّير فدية الصدّيق ) لكان معناه ، على مقتضى زعمك ، أن عيسى شرّ بالإضافة لكل أحد . وهذا لا يجوز لا عقلا ولا شرعا . فوجب ، أخذا من عبارة التوراة ، أن يكون المصلوب شرّيرا فداء لصدّيق ، هو عيسى عليه الصلاة والسلام . كما جاء في إنجيل برنابا انتهى ملخصا . ولن يعدم الحق أنصارا ، والباطل خزيا وانكسارا . فصل قال شيخ الإسلام ابن تيمية رضي اللّه عنه في كتابه ( الفرقان ) وهو من آخر مصنفاته . صنفه بقلعة دمشق ، ما لفظه : ( فإن قيل ) فإذا كان في كتب الأناجيل التي عندهم أن المسيح صلب وأنه بعد الصلب بأيام أتى إليهم ، وقال لهم : أنا المسيح . ولا يقولون إن الشيطان تمثل على صورته - فالشيطان ليس هو لحم وعظم . وهذه أثر المسامير . أو نحو هذا الكلام - فأين الإنجيل الذي قال اللّه عز وجل فيه : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [ المائدة : 47 ] . وقال قبل هذا : وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ ، وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [ المائدة : 46 - 47 ] وقال قبل هذا : وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ، وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ [ المائدة : 43 - 44 ] . وقال أيضا : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [ المائدة : 66 ] . وقال أيضا : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ، وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً ، فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [ المائدة : 68 ] . وهذا أمر للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم